ابن تيمية
39
مجموعة الرسائل والمسائل
شيء من غير أن يتجدد من المبدع الأول ما يوجب أن يصير للحوادث المتعاقبة ، بل حقيقة قولهم أن الحوادث حدثت بلا محدث ، وكذلك عدمت بعد حدوثها من غير سبب يوجب عدمها على أصلهم . وهؤلاء قابلهم طوائف من أهل الكلام ظنوا أن المؤثر التام يتراخى عنه أثره ، وأن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح ، والحوادث لها ابتداء وقد حدثت بعد أن لم تكن بدون سبب حادث ، ولم يهتد الفريقان للقول الوسط ، وهو أن المؤثر التام مستلزم أن يكون أثره عقب تأثيره التام لا مع التأثير ولا متراخياً عنه ، كما قال تعالى : " إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون " فهو سبحانه يكون كل شيء فيكون عقب تكوينه لا مع تكوينه في الزمان ولا متراخياً عن تكوينه ، كما يكون الانكسار عقب الكسر والانقطاع عقب القطع ووقوع الطلاق عقب التطليق لا متراخياً عنه ولا مقارناً له في الزمان . والقائلون بالتراخي ظنوا امتناع حوادث لا تتناهى ، فلزمهم أن الرب لا يمكنه فعل ذلك ، فالتزموا أن الرب يمتنع أن يكون لم يزل متكلماً بمشيئته ، ويمتنع أن يكون لم يزل قادراً على الفعل والكلام بمشيئته ، فافترقوا بعد ذلك ، منهم من قال كلامه لا يكون إلا حادثاً ، لأن الكلام لا يكون إلا مقدوراً مراداً ، وما كان كذلك لا يكون إلا حادثاً ، وما كان حادثاً كان مخلوقاً منفصلاً عنه لامتناع قيام الحوادث به وتسلسلها في ظنهم . ومنهم من قال : بل كلامه لا يكون إلا قائماً به ، وما كان قائماً به لم يكن متعلقاً بمشيئته وإرادته ، بل لا يكون إلا قديم العين ، لأنه لو كان مقدوراً مراداً لكان حادثاً فكانت الحوادث تقوم به ، ولو قامت به لم يسبقها ولم يخل منها ، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها . ومنهم من قال : بل هو متكلم بمشيئته وقدرته ، لكنه يمتنع أن يكون متكلماً في الأزل أو أنه لم يزل متكلماً بمشيئته وقدرته ، لأن ذلك يلتزم وجود حوادث لا أول لها ، وذلك ممتنع .